كل ما يخص كلية عمان اخبارها وصورها طلابها وموداها واسئلة امتحاناتها


    قصة صوت في الظلام

    شاطر
    avatar
    il padrino

    المساهمات : 5
    تاريخ التسجيل : 11/09/2010
    العمر : 29

    قصة صوت في الظلام

    مُساهمة  il padrino في السبت سبتمبر 11, 2010 2:51 pm


    صوتٌ في الظَّلام

    قبل أن تموت المركيزة (يورجي) بأيام، أرادت أن ترضي ضميرها، فاستدعت الدكتور (فالشي) كي تعرض عليه ابنها (سلفيو) الذي أصيب بالعمى، منذ عام تقريباً. لقد عرضته على أعظم وأبرع أطباء العيون في إيطاليا، وخارجها، فأجمعوا كلهم على أنه قد أصيب بمرض في عينيه، لا يرجى منه شفاء.‏
    وكان الدكتور (فالشي) قد فاز منذ مدة قليلة بمنصب مدير عيادة لطب العيون. ولكنه لم يكن موفقاً في أن يحظى بعطف أو بثقة أحد من الناس. ربما كان مبعث ذلك، مظهر الإعياء والذهول الذي يحيط به، وربما كان مبعثه شكله المنفر، أو طريقة مشيته المسترخية التي تكاد تصيب مفاصله بالتقطع. وكان هو يعرف مكانته في النفوس، ويبدو أن يستمتع بهذه المكانة.‏
    كان يوجه إلى طلبته، وإلى زبائنه، أسئلة غريبة، نفاذة، محيرة، تبعث على الشك والبلبلة. وكان يفهم الآخرين، بكل وضوح الفكرة التي كونها عن الحياة. ويكشف هذه الفكرة في كل عريها، مجردة من الرياء والأوهام الخداعة التي يخلقها كل منا، دون قصد، ولا إرادة، استجابة لحاجة طبيعية، أو خضوعاً للوقار الاجتماعي.. وبمضي الزمن أصبحت صحبة الدكتور مملة ولا تطاق.‏
    وعندما استدعته المركيزة، فحص بدقة تامة، وانتباه كامل، عيني الشاب، دون أن يصغي ـ كما يبدو على الأقل ـ إلى ما كانت المركيزة تقولـه، حول الداء وأحكام الأطباء الآخرين عليه، وعن المعالجات الطبية العديدة التي حاولتها.. وما كاد ينتهي من الفحص، حتى تأكد لديه، أن الأعراض المميزة للمرض الذي وصفه الأطباء، غير موجودة، وهي الألوان الزرقاء والخضراء الدالة على العمى.. وتبين لـه أن المرض لا يعدو أن يكون نوعاً نادراً من أمراض العيون، غير أنه لم يرغب في إعلان شكه في صحة تشخيص الأطباء، وآثر أن يسكت في البداية حتى لا يبعث في نفس الأم أملاً ضعيفاً. وأخفى الاهتمام القوي الذي ألقاه في نفسه ذلك المرض، واكتفى بإبداء رغبته في أن يعود إلى الكشف عن المريض بعد شهر.‏
    وعاد إليها.. ولكنه وجد في ذلك الشارع الجديد المهجور الذي تقوم فيه فيلا المركيزة حركة غير عادية وجماعة من الفضوليين متزاحمين أمام المدخل.. لقد ماتت المركيزة فجأة في الليلة السابقة.‏
    ماذا يفعل؟ هل يعود؟ وفكر في أنه لو أظهر شكه في طبيعة المرض كما شخصه الأطباء لكان من الممكن ألا تموت تلك الأم المسكينة، وفي نفسها يأس من شفاء ابنها الذي تتركه إلى العمى الذي لا علاج لـه . وعلى كل فهو إذا لم يستطع أن يدخل العزاء بهذا الأمل على قلب الأم ألا يجب عليه ـ على الأقل ـ أن يدخل الأمن والطمأنينة على قلب ذلك البائس المسكين الذي نزلت به هذه الكارثة الجديدة؟‏
    ودخل إلى الفيلا.‏
    وبعد انتظار طويل، في ذلك الجو المضطرب، الذي يهيمن على البيت، تقدمت إليه فتاة شقراء مرتدية السواد، وفي مظهرها شيء من الحزم والقوة، وقدمت نفسها على أنها وصيفة المرحومة، فأوضح لـها الدكتور سبب زيارته. ووجدت الفتاة نفسها تسأله في استغراب ينم عن شكها في كلامه.‏
    ـ وهل يصاب الشباب بمثل هذا المرض الذي تتحدث عنه؟ فنظر إليها الدكتور نظرة فاحصة، مسلطة على عينيها. ثم أجاب في ابتسامة ساخرة تبدو على عينيه أكثر مما تبدو على شفتيه.‏
    ـ ولماذا لا يتعرضون؟ معنوياً دائماً، يا آنستي، وخاصة عندما يحبون.. وحتى عضوياً.‏
    فزاد هذا الكلام من حنق الفتاة التي قطعت الحديث قائلة بأن الحالة التي يوجد فيها المركيز في تلك اللحظة، لا تسمح لـه ، بأن يتحدث في أي موضوع، وأنه سوف يدعوه بنفسه، حين يزول عنه الحزن، وتخبره بهذه الزيارة...‏
    وانقضى أكثر من ثلاثة أشهر دون أن يدعى الدكتور.‏
    وفي الحقيقة كان الدكتور قد ترك انطباعاً سيئاً في نفس المركيزة عند زيارته الأولى. والآنسة (ليديا) التي بقيت خادمة وقارئة للمركيز، مازالت تذكر ذلك. وقد أنستها نقمتها على الطبيب الثقيل أن انطباعات المركيزة عنه، كان من الممكن أن تتغير لو أبدى رأيه في احتمال شفاء ابنها. وقد رأته عند زيارته الثانية إنساناً محتالاً لئيماً يختار اليوم الذي ماتت فيه المركيزة، ليعلن شكه في آراء الأطباء ويبعث أملاً في الشفاء بعد أن استسلم المركيز إلى مصيبته.‏
    لقد أحس بالظلام يتكاثف حوله بعد موت أمه. إن الظلام الذي يحاصر نفسه من الداخل لـهو أشد هولاً وأقسى من العمى. ظلام يقف الناس حياله عمياناً. إن الذي يملك عينين سليمتين يمكنه أن يتعزى برؤية الأشياء التي حولـه، أما هو فليس لـه مهرب من هذا الظلام. إنه أعمى أمام الحياة، وأعمى أمام الموت، وقد اختفت أمه في هدوء، وتركته وحده، في فراغ فظيع، وإلى ظلام بارد كثيف.‏
    وفجأة سرى إليه في ظلامه الحالك، صوت ناعم رقيق، مثلما يسري شعاع عذب من النور. ولم يستطع أن يعرف في البداية، صاحبة ذلك الصوت الناعم الذي تعلقت به نفسه، في ذلك الفراغ المفزع. إنه صوت الآنسة ليديا التي ظلت في الأشهر الأخيرة أقرب الناس إلى أمه، وإنه ليذكر أن أمه قد حدثته عنها، وذكرت لـه ، أنها فتاة طيبة ونبيهة، وحركاتها لطيفة وهي مثقفة وذكية. صفات أصبح يلمسها الآن في رعايتها لـه ، وعطفها عليه، وفي الأنس الذي تدخله على نفسه.‏
    لقد داخلها الشك منذ الأيام الأولى لاستخدام المركيزة لـها بأنها لا ترى ضرراً، بل تتسامح في أن يتسلى معها ابنها، وكانت في ذلك مدفوعة بأنانية الأمومة. وقد أحست (ليديا) إهانة جارحة، وأخذت نفسها بالشدة، وأحاطتها بالتحفظ الحازم، مستجيبة إلى ترفعها الطبيعي... إلا أنها بعد وفاة أمه، وجدت نفسها، تخلص لـه ، مدفوعة بعاطفة التجاوب والرعاية، دون أن يتسرب إلى نفسها شك، بعد أن أخذ يدها وأراح على خدها وجهه الشاحب الجميل، وهو يبكي قائلاً: (لا تتركيني. لا تتركيني..)‏
    كان يعذبها بفضول العميان.. يريد أن يراها في ظلامه، يريد أن تتحول صورتها إلى صورة في أعماقه، كانت أسئلته الأولى قصيرة وغامضة، كان يريد أن يرسم لـها صورة في نفسه، تتفق مع هذا الصوت الذي يسمعه، حين تقرأ لـه ، أو تتحدث إليه.‏
    ـ شقراء.. أليس كذلك..؟‏
    ـ نعم‏
    كانت شقراء، ولكن شعرها الخشن القليل، لا يتلاءم مع لون بشرتها المائل إلى الشحوب.. هل تقول لـه ذلك؟ ولماذا تقول ذلك؟‏
    ـ وعيناك.. زرقاوان..؟‏
    ـ نعم..‏
    عيناها زرقاوان ولكنهما كئيبتان متألمتان غارقتان تحت جبهتها الحزينة، هل تصفها لـه ؟ لم تكن جميلة الوجه، ولكنها كانت رشيقة القوام، وأجمل ما فيها يداها؛ وصوتها بصفة خاصة، يتميز بعذوبة بريئة ناعمة، تختلف عن الطابع الحزين العميق المرتسم على محياها. وكانت تعرف أنه يراها من خلال هذا السحر الذي يغلف صوتها الناعم الرقيق، ومن خلال أجوبتها المحتشمة على أسئلته الملحة. كان يراها من خلال هذا الصوت وكانت هي تحاول جاهدة أمام المرآة أن تكون شبيهة بتلك الصورة التي صنعها خياله لـها، كانت تحاول أن ترى نفسها كما يراها هو في ظلامه الدامس. إن صوتها لم يعد يخرج من شفتيها، ولكنه يخرج من شفتي (تلك).. تلك التي يتصورها. وعندما تضحك، تشعر في الحال أنها لم تكن هي التي تضحك، وإنما تقلد ضحكة تلك الصورة الأخرى.. صورتها التي تعيش في نفسه. كل ذلك كان يسبب لـها عذاباً جارحاً يصيبها بالاضطراب. كانت ترى أنها لم تعد هي نفسها وأنها أصبحت تختفي شيئاً فشيئاً عن نفسها.. كل ذلك من أجل هذه الشفقة التي تحسها نحو هذا الشاب.. أهي الشفقة فقط؟.. لا.. إنه الحب. إنه الحب فلم تعد تقدر على أن تنزع يدها من يده، أو يبعد وجهه عن وجهها. وإذا جذبها إليه كانت تكتفي بالاحتجاج الرقيق (لا.. هكذا لا.. أرجوك).‏
    وكان حتماً عليهما أن يصلا إلى قرار، كلف الآنسة ليديا صراعاً عنيفاً مع نفسها. لم يكن للمركيز أقارب، فهو سيد نفسه، يفعل ما يبدو لـه وما يريد. ولكن ألا يقول الناس، أنها قد استغلت مصيبته، لكي تتزوجه، وتصبح مركيزة وغنية؟ أجل.. إنهم سيقولون ذلك وأكثر، ولكن كيف تستطيع البقاء في هذا البيت من غير هذا الشرط؟ ألا يمكن أن يعتبر قسوة كبيرة محاولة التخلي عن ذلك الأعمى وحرمانه من رعايتها وحنانها، خوفاً من أقوال الناس؟ إنه بلا شك حظ عظيم بالنسبة إليها، ولكنها كانت تشعر في أعماقها بأنها تستحق هذا الحظ، لأنها تحبه بل إن أعظم حظوظها أن تحبه في صراحة، أن يقول أنها لي، خالصة مخلصة إلى الأبد، لـه وحده جسداً وروحاً.‏
    إنه لا يبصر ولا يرى في أعماقه إلا تعاسته. ولكنه جميل.. جميل جداً ورقيق كأنه فتاة وديعة. وكانت تنظر إليه وتتأمل جماله دون أن يفطن إلى ذلك وتفكر في نفسها (إنك لي لأنك لا ترى ولا تدري. ولأن روحك أسيرة لتلك العاهة وأنت في حاجة إلي لكي ترى وتدري وتحس).‏
    ولكن ألا يجب عليها أن تعترف لـه قبل أن تنزل عند رغبته، بأنها لم تكن كما يتصورها؟ أجل.. إنها خديعة، ولكنه أعمى.. يكفيه قلب.. قلب كقلبها في إخلاصه والتهابه ما يكفيه، وهم الجمال.. وهي ليست قبيحة على كل حال.. ثم إن فتاة جميلة.. من يدري.. ربما تخدعه، بأية طريقة، مستغلة عاهته.. إنه محتاج إلى القلب العاشق الودود أكثر من حاجته إلى الوجه الوسيم الذي لن يراه أبداً.‏
    وبعد أيام من الحيرة المؤلمة حدد يوم الزفاف. وتقرر أن يتم الزفاف دون أبهة، وفي أقرب وقت، وبعد الشهر السادس لوفاة الأم مباشرة. كان أمامها شهر ونصف لإعداد اللوازم على أحسن ما يرام، وكانت سعادة تلك الأيام عظيمة. كانت الساعات تطير وتمضي وهي تستعجل إعداد عشها السعيد. كانت الساعات تمضي دون أن تشعر بها في غمرة تلك الملاطفات والمداعبات التي كان يغمرها بها والتي كانت تتحرر منها وفي قلبها نشوة. كانت تتحرر منه ومن مداعباته في عنف محبب، حتى تستطيع أن تصون من عبث الحرية، بهجة ما.. بل أبهج الأشياء ليوم الزفاف. لم يبق على يوم الزفاف سوى أسبوع عندما أخطرت ليديا فجأة بزيارة الدكتور (فالشي)، وكادت تخضع لانفعالها الأول فتجيب (غير موجودة)، ولكن الأعمى الذي كان يسمع حديثها الخافت تساءل (من؟) فأجابه الخادم (الدكتور فالشي) وأضافت هي (أتعرفه؟ إنه الطبيب الذي استدعته أمك قبل أيام حلول الكارثة).‏
    فقال في استغراب وهو يسترجع ذكرياته:‏
    ـ آه.. لقد فحصني طويلاً.. طويلاً.. إني أذكر جيداً.. وقال إنه سيعود.‏
    فقاطعته ليديا، وهي مضطربة:‏
    ـ انتظر سأذهب إليه.‏
    كان الدكتور واقفاً في حجرة الاستقبال، وكان رأسه الأصلع الضخم مرتفعاً إلى الخلف وعيناه مغمضتين، وهو يسرح بيده لحيته الكثيفة.‏
    ودخلت دون أن ينتبه إليها، ثم قالت:‏
    ـ تفضل يا دكتور.. استرح.‏
    فانتفض الدكتور من دخولها المفاجئ، ثم انحنى قائلاً:‏
    ـ معذرة إذا..‏
    ولكنها كانت قلقة مضطربة فأرادت أن تستعجله:‏
    ـ أنت لم تدع أبداً حتى الآن.‏
    فأجابها في ابتسامة هادئة على شفتيه:‏
    ـ حتى زيارتي هذه كانت غير مناسبة، ولكن معذرة يا آنسة.‏
    فتضرج وجهها وقالت:‏
    ـ لا.‏
    فأجابها:‏
    ـ أنت لا تدركين الأهمية التي يعلقها الرجل البائس المشتغل بالعلوم على مثل هذه الأمراض، ولكني أريد أن أكون صريحاً يا آنسة.. قد نسيت هذه الحالة على الرغم من أنها في رأيي نادرة وعجيبة.. ولكن أمس فقط حين كنت أتحدث في الزائد والناقص مع بعض الأصدقاء علمت بزفافك المنتظر إلى المركيز.. أليس هذا صحيحاً يا آنسة؟‏
    فشحب وجهها وأكدت لـه كلامه بهزة من رأسها.‏

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 14, 2017 3:03 am